صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
97
شرح أصول الكافي
ومشاهدة لطف الأول سلبت افئدتهما ، وقد قيل شعرا : فذلك من عميم اللطف شكر * وهذا من رحيق الشوق سكر أقول : فافهم هذا المقام فهم حق يتلى لا فهم شعر يفترى . ومن هاهنا ينكشف عند العاقل اللبيب ان غاية جميع المحركات والمتشوقات من القوى العالية والسّافلة في تحريكاتها وأفاعيلها هو ذات البارئ أو التقرّب إليه والوصول إلى حضرته ، لان غرض كل فاعل من فعله ما هو ارفع منه ، لكنه يلزمه تبعا صدور ما هو أدون منه ، وبهذا ظهر سرّ كلام من قال : لولا عشق العالي لا نطمس السّافل . فان قلت : إذا كانت الغاية متقدمة على الفعل بحسب السّببية « 1 » متأخرة عنه بحسب الوجود ، فلو كان الأول تعالى غاية يلزم ان يكون متأخرا عن الممكنات ؟ قلنا : ان تأخر الغاية عن الفعل انّما يكون إذا كانت من الأشياء الواقعة في عالم الكون والحركة ، واما إذا كانت ارفع من هذا العالم فلا يلزم ، بل الغاية في الفعل الابداعي متقدمة عليه علما ووجودا وفي الكائنات متقدمة عليها علما متأخرة عنها وجودا . والتحقيق : ان البارئ جل اسمه اوّل الأوائل من جهة كونه فاعلا للأشياء وعلة غائية وغرضا ، وهو بعينه اخر الأواخر من جهة كونه غاية وكمالا ، يقصده الأشياء وينحو نحوه ويتشوق إليه طبعا وإرادة ويتصل اخر دائرة الوجود بأولها من جهة اخر كمالات الانسان الكامل الواصل إلى مقام أو أدنى « فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى » « 2 » فهو تعالى منتهى سير السائرين وغاية قصد المسافرين ، لأنه الخير المحض والمعشوق الحقيقي ، فمصحح الاعتبار الأول نفسه ذاته بذاته ، ومصحح الاعتبار الثاني صدور الأشياء عنه على وجه يلزمها عشق يقتضي حفظ كمالاتها الأولية وشوق غريزي إلى تحصيل المفقود من كمالاتها الثانية وحركة ذاتية جوهرية إليها وإلى ما بعدها حتى انتهت إلى غاية لا غاية لها . قال أبو نصر الفارابي : صلت السماء بدورانها والأرض برجحانها « 3 » والماء بسيلانه والمطر بهطلانه وقد تصلى له ولا تشعر ولذكر اللّه أكبر « 4 » .
--> ( 1 ) - الشيئية - م - د . ( 2 ) - النجم 10 . ( 3 ) - برجحانها « ط » . ( 4 ) فصوص الحكمة - فص 29 .